فخر الدين الرازي
13
تفسير الرازي
وذلك يدل على أنه تعالى يتغير من حال إلى حال ، وكل من كان متغيراً كان محدثاً ، وذلك بالاتفاق باطل . الثالث : أنه لما حدث الاستواء في هذا الوقت ، فهذا يقتضي أنه تعالى كان قبل هذا الوقت مضطرباً متحركاً ، وكل ذلك من صفات المحدثات . الرابع : أن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد أن خلق السماوات والأرض لأن كلمة * ( ثم ) * تقتضي التراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل خلق العرش غنياً عن العرش ، فإذا خلق العرش امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته من الاستغناء إلى الحاجة . فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عن العرش ، ومن كان كذلك امتنع أن يكون مستقراً على العرش . فثبت بهذه الوجوه أن هذه الآية لا يمكن حملها على ظاهرها بالاتفاق ، وإذا كان كذلك امتنع الاستدلال بها في إثبات المكان والجهة لله تعالى . المسألة الثالثة : اتفق المسلمون على أن فوق السماوات جسماً عظيماً هو العرش . إذا ثبت هذا فنقول : العرش المذكور في هذه الآية هل المراد منه ذلك العرش أو غيره ؟ فيه قولان : القول الأول : وهو الذي اختاره أبو مسلم الأصفهاني ، أنه ليس المراد منه ذلك ، بل المراد من قوله : * ( ثم استوى على العرش ) * أنه لما خلق السماوات والأرض سطحها ورفع سمكها ، فإن كل بناء فإنه يسمى عرشاً ، وبانيه يسمى عارشاً ، قال تعالى : * ( ومن الشجر ومما يعرشون ) * ( النحل : 68 ) أي يبنون ، وقال في صفة القرية * ( فهي خاوية على عروشها ) * ( الحج : 45 ) والمراد أن تلك القرية خلت منهم مع سلامة بنائها وقيام سقوفها ، وقال : * ( وكان عرشه على الماء ) * ( هود : 7 ) أي بناؤه ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك لأنه أعجب في القدرة ، فالباني يبني البناء متباعداً عن الماء على الأرض الصلبة لئلا ينهدم ، والله تعالى بنى السماوات والأرض على الماء ليعرف العقلاء قدرته وكمال جلالته ، والاستواء على العرش هو الاستعلاء عليه بالقهر ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) * ( الزخرف : 12 ، 13 ) قال أبو مسلم : فثبت أن اللفظ يحتمل هذا الذي ذكرناه . فنقول : وجب حمل اللفظ عليه ، ولا يجوز حمله على العرش الذي في السماء ، والدليل عليه هو أن الاستدلال على وجود الصانع تعالى ، يجب أن يحصل بشيء معلوم مشاهد ، والعرش الذي في السماء ليس كذلك ، وأما أجرام السماوات والأرضين فهي مشاهدة محسوسة ، فكان الاستدلال بأحوالها على وجود الصانع الحكيم جائزاً صواباً حسناً . ثم قال : ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى : * ( خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) * إشارة إلى تخليق ذواتها ، وقوله : * ( ثم استوى على العرش ) * يكون إشارة إلى تسطيحها وتشكيلها بالأشكال الموافقة لمصالحها ، وعلى هذا الوجه تصير هذه الآية موافقة لقوله